بيئة العمل في الشركات الكبرى تحتم على منسوبيها النظر في مجال ضيق عندما يتعلق الموضوع في تطوير أو حل مشكلة حيث ان كل قسم يهدف إلى تحقيق أهداف معينة. انهماك الموظف في عمله الروتيني لتحقيق أهدافه يجعله ينظر للعالم من حوله من وجهة نظره فقط متجاهلاً أرآء المعنين في القضية أو المشكلة و قد تصل أحياناً إلى إتهام الأطراف الأخرى و إستخدامهم كشماعة لتعليق أعذاره التي منعته من تحقيق أهدافه. والمصيبة العظمى هي أن إتهاماته ليست مبنية على خبرته في معاشرات الأقسام المتهمة و لكن بناءً على تحليلاته الشخصية و متناسياً أن أقرانه في الأقسام الأخرى لهم أهداف يريدون تحقيقها و لكنهم ينظرون أن موظفنا هو عقبة تمنعهم من تحقيقها. فترى في كثير في اجتماعاتهم، يحاول كل طرف إقناع الآخر بنقطة ما من منظوره ويكون لسان حاله "يا اخي تعلم خلي عندك شوي فهم". لأنني حظيت بفرصة العمل تحت إدارتين مختلفتين، استطعت أن أرى ما أزعمه في هذا المقال.
التطبع بهذا السلوك لا تقف حدوده بداخل محيط العمل و لكن تنتقل إلى المحيط الإجتماعي و كيفية النظر و التعامل مع قضاياه. نرى نسبة ليست بقليل من المجتمع يفقدون القدرة على قبول أو تحليل قضية ما من منظور أخر. مثلا، التقيت بشاب في طريق عودتي لمنزلي تبادلت معه اطراف الحديث فأخبرني عن معاناته كيف أنه لم يستطع الالتحاق بإحدى الشركات الكبرى بعد تقديمه اختبار القبول بسبب أن آلية الاختيار تأمر بأن يكون غالبية المقبولين من الطائفة السنية. و عندما جادلته بأن هذه الآلية ليس لها وجود لأن البرنامج الموازي له والذي التحقت به أكاد أجزم أن نسبة الملتحقين به من الطائفة الشيعية لا تقل عن 60% لكنه رفض اعتراضي و اعتمد نظريته و دعمها بقصص اخرى ليثبت مصداقيتها. لأن هذا الشاب حلل المشكلة من منظور طائفي بحت ملغياً باقي الاحتمالات جعلته يعيش في وضع من الإحباط الذي كان جلياً في كلامه. ضيق الافق لن يسبب فقط الإحباط بل يؤدي إلى التشاحن و العداوة بين الأطراف المعنين بقضية ما مؤدية اخيراً إلى تفكك المجتمع. لو علم هذا الشاب أن المقعد الذي كان يطمح له ظفر به شيعي هل ستكون ردة فعله مماثلة؟ لو كان يعلم بأن اختبار القبول يكون على دفعات يكون مجموع المقبولين فيها غالبيتهم من الشيعة هل سيتغير رأيه بنظريته؟ اتساع خبرة الإنسان في مجالات متعددة و التطبع بسلوك "لو كنت مكان خصمي" يساعده على، أولاً التفكير بشكل إيجابي و ثانياً الوصول إلى تطلعاته و أهدافه من خلال مفاوضات ناجحة للطرفين. إذا كنت أعلم طريقة تفكيرك و وجهة نظرك في قضية ما، استطيع أن اصيغ الحلول بطريقة تقبلها و بنفس الوقت تساعدني للوصول لأهدافي.
قد يكون من الصعب الوصول لفرص تساعد على اتساع تجاربك عزيزي القارئ ولكن عوّد نفسك عندما تواجهك مشكلة ما أن تسأل نفسك .. ماذا لو كنت مكان الطرف الآخر كيف ستكون ردة فعلي؟
@boRadhi
No comments:
Post a Comment